الراغب الأصفهاني
517
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً « 1 » . ولما حضر بشرا الموت فرح ، فقيل له : تستبشر بالموت ، فقال : أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي على مخلوق أخافه . وقال بعضهم : لا يكره الموت إلا مريب . وسئل فيلسوف عن الموت : فقال هو فزع الأغنياء وشهوة الفقراء ، وقال المتنبّي : نعير حلاوات النفوس قلوبنا * فنختار بعض العيش وهو حمام وله : وما الدهر أهل أن تؤمّل عنده * حياة وأن تشتاق فيه إلى النّسل « 2 » وقال آخر : قد قلت إذ مدحوا الحياة فأسرفوا * في الموت ألف فضيلة لا تعرف وقال بعضهم : لا يكون الحكيم حكيما حتى يعلم أن الحياة تسترقّه والموت يعتقه . وقال الأخطل : والناس همّهم الحياة ولا أرى * طول الحياة يزيد غير خبال « 3 » وقال الجنيد : من كان حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه فتصعب عليه ، ومن كان حياته بربّه فإنه ينتقل من حياة الطبع إلى حياة الأصل وهي الحياة على الحقيقة . من تمنّى الموت قيل : شر من الموت ما إذا نزل تمنيت الموت لنزوله . وقيل : خير من الحياة ما إذا فقدته أبغضت لفقده الحياة . قال المهلبيّ : ألا موت يباع فأشتريه * فهذا العيش ما لا خير فيه ألا رحم المهيمن روح حرّ * تصدّق بالوفاة على أخيه وقال المتنبّي : كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكن أمانيا وقال الموسوي : آها لنفس حبست في جلدي * إن الأسير غرض بالقدّ « 4 »
--> ( 1 ) القرآن الكريم : آل عمران / 178 . ( 2 ) أي شأن الدهر أن يغتال نفوس أهله ، فليس بأهل لأن ترجى عنده الحياة . ( 3 ) الخبال : من الخبل وهو فساد العقل . ( 4 ) القد : الجلد يقيد به الأسير ، أو السوط .